عبد القاهر الجرجاني
332
دلائل الإعجاز في علم المعاني
فلو صوّرت نفسك لم تزدها * على ما فيك من كرم الطّباع " 1 " ومن العجب في ذلك ما تراه إذا أنت تأمّلت قول أبي العتاهية : [ من الكامل ] جزي البخيل عليّ صالحة * عنّي بخفّته على ظهري أعلى وأكرم عن يديه يدي * فعلت ، ونزّه قدره قدري ورزقت من جدواه عافية * أن لا يضيق بشكره صدري وغنيت خلوا من تفضّله * أحنو عليه بأحسن العذر ما فاتني خير امرئ وضعت * عنّي يداه مئونة الشّكر " 2 " ثم نظرت إلى قول الذي يقول : [ من المنسرح ] أعتقني سوء ما صنعت من الرّقّ * فيا بردها على كبدي فصرت عبدا للسّوء منك وما * أحسن سوء قبلي إلى أحد " 3 " ومما هو في غاية النّدرة من هذا الباب ، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب : [ من الطويل ] ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب " 4 " حين نثره فقال ، وكتب به إلى ابن الزّيات : " نحن أعزك اللّه نسحر بالبيان ، ونموه بالقول ، والناس ينظرون إلى الحال ، ويقضون بالعيان ، فأثر في أمرنا أثرا ينطق إذا سكتنا ، فإنّ المدّعي بغير بيّنة متعرّض للتكذيب " . وهذه جملة من وصفهم الشعر وعمله وإدلالهم به - أبو حيّة النّميرى : [ من الكامل ] إنّ القصائد قد علمن بأنّني * صنع اللّسان بهنّ ، لا أتنحّل وإذا ابتدأت عروض نسج ريّض * جعلت تذلّ لما أريد وتسهل حتّى تطاوعني ، ولو يرتاضها * غيري لحاول صعبة لا تقبل " 5 "
--> ( 1 ) البيت في الديوان ( ص 324 ) ، وهو من قصيدة يمدح فيها مهدي بن أصرم ، وقبله : ورأيك مثل رأي السيف صحّت * مشورة حدّه عند المصاع والمصاع : المجالدة . ( 2 ) الأبيات في أسرار البلاغة ( ص 156 ) ، وجاء البيت الأول بلفظ " بخفته " بدلا من " لخفته " ، وفي نسخة للشيخ رشيد رضا : " أن لا يضيق " بدل من " عافية " وهذا في البيت الثالث . ( 3 ) البيتان في أسرار البلاغة بلا نسبة ( ص 156 ) . ( 4 ) عجز بيت لنصيب بن رباح ، في ديوانه ( ص 59 ) وصدره : فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله وفي الأغاني ( 2 / 42 ) ، وأمالي المرتضى ( 1 / 61 ) ، وخزانة الأدب ( 5 / 296 ) ، وشرح شذور الذهب ( ص 38 ) ، والشعر والشعراء ( 1 / 418 ) ، ولسان العرب ( حدث ) . ( 5 ) الأبيات لأبي حية النميري ، شعره مجموع جمعه داود سلوم في العراق .